Emir Abdelkader
2011-09-19, 12:41 PM
جميل بثينة
يكاد يكون جميل بن معمر أشهر ذوي الصبابة والعشق من شعراء عذرة ، بل مقدماً عليهم جميعاً في رأي ابن سلام صاحب طبقات الشعراء .
وهو جميل بن معمر بن الحارث بن ظبيان العذري وينتهي نسبه إلى قضاعة. وكانت أسرته على جانب مرموق من الجاه والثروة وكان هو غض الشباب وسيم الطلعة فنشأ موفور العيش يتيه بقومه وينعم بالرخاء ويزهو بشبابه ، وكان شأنه في حداثته شأن سائر أبناء البادية يسرح بأغنام قومه ويأتي بها مواضع الكلأ وقد لقي بثينة لأول مرة في بعض تلك المراتع . وكان كثيـّر عزة يعترف لجميل بثينة بالشاعرية ويقدمه على نفسه ، ويتخذه إماماً له ...
أما كيف وقع جميل بحب بثينة فكتب الأدب تورد لذلك خبراً طريفاً يؤكد أن العشق العارم أحياناً قد ينبثق من الشحناء. جاء في الأغاني: كان جميل ينسُب بأم الجسير، وكان أول ما علق بثينة أنه أقبل يوماً بإبله حتى أوردها وادياً يقال له بغيض ، فاضطجع وأرسل إبله مصعده، وأهل بثينة بذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارية لها واردتين الماء، فمرتا على فِصال له بُروك فعرّمتهن – أي نفرتهن – وهي إذ ذاك جويرية صغيرة ، فسبها جميل ، فافترت عليه، فمُلح إليه سبابُها فقال:
وأول ما قادَ المودة بينـنا بوادي بغيضٍ يا بثينَ سبابُ
وقُلنا لها قولاً فجاءت بمثله لكـلِّ كلامٍ يا بثينَ جوابُ
غير أن التقاليد البدوية وكيد العاذلين حاصرت هذين المتحابين اللذين بات الهوى شغلهما، فراح قوم بثينة يمنعونها من لقاء جميل ومانعوا في زواجها منه بعد أن ذكرها في شعره وردد أسمها على لسانه، فأضرم ذلك جذوة هواه وألهب شاعريته. ثم أن أهله أرغموه على الارتحال، فذهب إلى مصر ولبث هناك حتى مات. وقد نعى نفسه لبثينة حين أرسل لها بأبيات:
صَدعَ النعيَّ ، وما كنَى بجَميلِ وثوى بمصرَ ثواءَ غيرِ قَفُولِ
ولقد أجُرُّ الذيلَ في وادي القُرى نشوانَ ، بينَ مَزارعٍ ونَخيلِ
بكـرَ النعيُّ بفارسٍ ذي هِمّةٍ بطَـلٍ إذا حُمّ اللقاءُ مُذيـلِ
قومي بثينةُ فاندبي بعـويـلِ وابكي خليلَكِ دونَ كلِّ خليلِ
فقالت وهي تندبه حتى صعقت:
وإن سلُوّي عن جميلٍ لساعـةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواءٌ علينا يا جميل بن معـمر إذا مـتّ بأسـاء الحياة ولينها
*********************
قصيدة يا صاحِ، عن بعضِ الملامة ِ أقصرِ
يا صاحِ، عن بعضِ الملامة ِ أقصرِ، **** إنّ المــــنى لَلِقـــــاءُ أُمّ المـِســْوَرِ
وأكنّ طـــارقها، علــى علل الكرى ، **** ولنجــمُ، وهناً قــــد دنـــا لتغـــوّرِ
يستــــافُ رِيــــحَ مدامــة ٍ معجونـــة ٍ **** بذكيِّ مِســكٍ، أو سَحِيــقِ العنــبرِ
إنــــي لأحفظُ غـيـبَكـــم ويسرّنـــــي، **** لو تعلمينَ، بصـالــحٍ أن تذكـــري
ويكـــون يومٌ، لا أرى لــكِ مُرسَــلاً، **** أو نلـــتقــي فيــه، علــيّ كأشْـهــُر
يــا لـيـتـنـــي ألقــى المــنـيّـة بغتـــة ً، **** إنْ كـــانَ يــومُ لقائكم لــــم يُــقْـدَر
أو أستطيعُ تجلّـــــداً عن ذكــــركـــم، **** فيـفـيـقَ بعــضُ صبابتي وتفكّري
لـو تـعـلمـيـن بما أجــنُّ من الهــوى ، ***** لعَذَرتِ، أو لظلمتِ إن لم تَعذرِي
واللهِ، ما للـقلــب، مــن علــــمٍ بــهــا، **** غيرُ الظنونِ وغيرُ قــولِ المـخبرِ
لا تحسبــــي أنــي هجرتــكِ طائــعــاً **** حَدَثٌ، لَعَمْرُكِ، رائعٌ أن تُهـجري
ولـتـبكــينّــي البــاكيــاتُ، وإنْ أبـــحْ، **** يومــاً، بسرِّكِ مُعــلنــاً، لــم أُعذَر
يهـواكِ، ما عشتُ، الفؤادُ، فإن أمُتْ، **** يتبعْ صـدايَ صـــداكِ بين الأقبـــرِ
إنــي إلــيكِ، بمـــا وعـــدتِ، لنـــاظرٌ **** نظرَ الفقـــيرِ إلى الغنـــيِّ المـــكثرِ
تقضى الديــونُ، وليس ينجــزُ موعداً **** هــــذا الغريمُ لنا، وليـــس بمُـــعسِر
ما أنــتِ، والــوعدَ الـذي تعــدينـــني، **** إلاّ كبـــرقِ سحـــابة ٍ لـــم تمــــطرِ
قلبي نصَـــحتُ لـــه، فردّ نصِيحـتي، **** فمـــتى هَجرَتِيه، فمنـــه تَـكــَثَّــري
يكاد يكون جميل بن معمر أشهر ذوي الصبابة والعشق من شعراء عذرة ، بل مقدماً عليهم جميعاً في رأي ابن سلام صاحب طبقات الشعراء .
وهو جميل بن معمر بن الحارث بن ظبيان العذري وينتهي نسبه إلى قضاعة. وكانت أسرته على جانب مرموق من الجاه والثروة وكان هو غض الشباب وسيم الطلعة فنشأ موفور العيش يتيه بقومه وينعم بالرخاء ويزهو بشبابه ، وكان شأنه في حداثته شأن سائر أبناء البادية يسرح بأغنام قومه ويأتي بها مواضع الكلأ وقد لقي بثينة لأول مرة في بعض تلك المراتع . وكان كثيـّر عزة يعترف لجميل بثينة بالشاعرية ويقدمه على نفسه ، ويتخذه إماماً له ...
أما كيف وقع جميل بحب بثينة فكتب الأدب تورد لذلك خبراً طريفاً يؤكد أن العشق العارم أحياناً قد ينبثق من الشحناء. جاء في الأغاني: كان جميل ينسُب بأم الجسير، وكان أول ما علق بثينة أنه أقبل يوماً بإبله حتى أوردها وادياً يقال له بغيض ، فاضطجع وأرسل إبله مصعده، وأهل بثينة بذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارية لها واردتين الماء، فمرتا على فِصال له بُروك فعرّمتهن – أي نفرتهن – وهي إذ ذاك جويرية صغيرة ، فسبها جميل ، فافترت عليه، فمُلح إليه سبابُها فقال:
وأول ما قادَ المودة بينـنا بوادي بغيضٍ يا بثينَ سبابُ
وقُلنا لها قولاً فجاءت بمثله لكـلِّ كلامٍ يا بثينَ جوابُ
غير أن التقاليد البدوية وكيد العاذلين حاصرت هذين المتحابين اللذين بات الهوى شغلهما، فراح قوم بثينة يمنعونها من لقاء جميل ومانعوا في زواجها منه بعد أن ذكرها في شعره وردد أسمها على لسانه، فأضرم ذلك جذوة هواه وألهب شاعريته. ثم أن أهله أرغموه على الارتحال، فذهب إلى مصر ولبث هناك حتى مات. وقد نعى نفسه لبثينة حين أرسل لها بأبيات:
صَدعَ النعيَّ ، وما كنَى بجَميلِ وثوى بمصرَ ثواءَ غيرِ قَفُولِ
ولقد أجُرُّ الذيلَ في وادي القُرى نشوانَ ، بينَ مَزارعٍ ونَخيلِ
بكـرَ النعيُّ بفارسٍ ذي هِمّةٍ بطَـلٍ إذا حُمّ اللقاءُ مُذيـلِ
قومي بثينةُ فاندبي بعـويـلِ وابكي خليلَكِ دونَ كلِّ خليلِ
فقالت وهي تندبه حتى صعقت:
وإن سلُوّي عن جميلٍ لساعـةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواءٌ علينا يا جميل بن معـمر إذا مـتّ بأسـاء الحياة ولينها
*********************
قصيدة يا صاحِ، عن بعضِ الملامة ِ أقصرِ
يا صاحِ، عن بعضِ الملامة ِ أقصرِ، **** إنّ المــــنى لَلِقـــــاءُ أُمّ المـِســْوَرِ
وأكنّ طـــارقها، علــى علل الكرى ، **** ولنجــمُ، وهناً قــــد دنـــا لتغـــوّرِ
يستــــافُ رِيــــحَ مدامــة ٍ معجونـــة ٍ **** بذكيِّ مِســكٍ، أو سَحِيــقِ العنــبرِ
إنــــي لأحفظُ غـيـبَكـــم ويسرّنـــــي، **** لو تعلمينَ، بصـالــحٍ أن تذكـــري
ويكـــون يومٌ، لا أرى لــكِ مُرسَــلاً، **** أو نلـــتقــي فيــه، علــيّ كأشْـهــُر
يــا لـيـتـنـــي ألقــى المــنـيّـة بغتـــة ً، **** إنْ كـــانَ يــومُ لقائكم لــــم يُــقْـدَر
أو أستطيعُ تجلّـــــداً عن ذكــــركـــم، **** فيـفـيـقَ بعــضُ صبابتي وتفكّري
لـو تـعـلمـيـن بما أجــنُّ من الهــوى ، ***** لعَذَرتِ، أو لظلمتِ إن لم تَعذرِي
واللهِ، ما للـقلــب، مــن علــــمٍ بــهــا، **** غيرُ الظنونِ وغيرُ قــولِ المـخبرِ
لا تحسبــــي أنــي هجرتــكِ طائــعــاً **** حَدَثٌ، لَعَمْرُكِ، رائعٌ أن تُهـجري
ولـتـبكــينّــي البــاكيــاتُ، وإنْ أبـــحْ، **** يومــاً، بسرِّكِ مُعــلنــاً، لــم أُعذَر
يهـواكِ، ما عشتُ، الفؤادُ، فإن أمُتْ، **** يتبعْ صـدايَ صـــداكِ بين الأقبـــرِ
إنــي إلــيكِ، بمـــا وعـــدتِ، لنـــاظرٌ **** نظرَ الفقـــيرِ إلى الغنـــيِّ المـــكثرِ
تقضى الديــونُ، وليس ينجــزُ موعداً **** هــــذا الغريمُ لنا، وليـــس بمُـــعسِر
ما أنــتِ، والــوعدَ الـذي تعــدينـــني، **** إلاّ كبـــرقِ سحـــابة ٍ لـــم تمــــطرِ
قلبي نصَـــحتُ لـــه، فردّ نصِيحـتي، **** فمـــتى هَجرَتِيه، فمنـــه تَـكــَثَّــري